أحمد مصطفى المراغي
29
تفسير المراغي
وفي الآية رمز إلى أن الأخلاق الحسنة لا تكون مع الجنون ، وكلما كان الإنسان أحسن أخلاقا كان أبعد من الجنون . ثم توعدهم بما يحل بهم من النكال والوبال في الدنيا والآخرة فقال : ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ؟ ) أي فستعلم أيها الرسول وسيعلم مكذبوك من المفتون الضال منكم ومنهم ؟ ونحو الآية قوله تعالى : « سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ » وقوله : « وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . والخلاصة - ستبصر ويبصرون غلبة الإسلام واستيلاءك عليهم بالقتل والأسر وهيبتك في أعين الناس أجمعين ، وصيرورتهم أذلّاء صاغرين . وهذا يشمل ما كان في بدر وغيرها من الوقائع التي كان فيها النصر المبين للمؤمنين ، والخزي والهوان وذهاب صولة المشركين مما كان عبرة ومثلا للآخرين . ثم أكد ما تضمنه الكلام السابق من الوعد والوعيد فقال : ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) أي إن ربك سبحانه هو أعلم بمن حاد عن الطريق السوىّ المؤدى إلى سعادة الدارين ، وهام في تيه الضلالة ، فلا يفرق بين ما ينفع وما يضر ، بل يحسب الضر نفعا والنفع ضرا ، وأعلم بالمهتدين إلى سبيله ، الفائزين بكل مطلوب ، الناجين من كل محذور ، ويجازى كلّا من الفريقين بحسب ما يستحقون من العقاب والثواب . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 8 إلى 16 ] فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 ) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ( 9 ) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ ( 10 ) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ( 11 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ( 13 ) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ ( 14 ) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 15 ) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ( 16 )